محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 25
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
يا محمد العالم ، الذي هو ملكك « 1 » ، فأخلق جوهرة الماء ، فخلقتها دون حجاب العزة الأحمى ، وأنا على ما كنت عليه ولا شيء معي في عما ، فخلق الماء سبحانه بردة جامدة كالجوهرة في الاستدارة والبياض ، وأودع فيها بالقوة ذوات الأجسام وذوات الأعراض ، ثم خلق العرش واستوى عليه اسمه الرحمن ، ونصب الكرسي وتدلت إليه القدمان ، فنظر بعين الجلال إلى تلك الجوهرة فذابت حياء ، وتحللت أجزاؤها فسالت ماء ، وكان عرشه على هذا الماء ، قبل وجود الأرض والسماء ، وليس في الوجود إذ ذاك إلا حقائق المستوى عليه والمستوي والاستواء ، فأرسل النفس فتموج الماء ، ورجع القهقرى يريد ثبجه « 2 » ، وترك زبده بالساحل الذي أنتجه ، فهو مخضة ذلك الماء ، الحاوي على أكثر الأشياء ، فأنشأ سبحانه من ذلك الزبد الأرض ، مستديرة النشء مدحية الطول والعرض ، ثم أنشأ الدخان من نار احتكاك الأرض عند فتقها ، ففتق فيه السماوات العلى ، وجعلها محل الأنوار ومنازل الملأ الأعلى ، وقابل بنجومها المزينة لها النيرات ، ما زين به الأرض من أزهار النبات ، وتفرد تعالى لآدم وولديه « 3 » بذاته جلّت عن التشبيه ويديه ، فأقام نشأة جسدية وسوّاها تسويتين ، تسوية انقضاء أمده ، وقبول أبده ، وجعل مسكن هذه النشأة نقطة كرة الوجود وأخفى عينها ، ثم نبه عباده عليها بقوله تعالى بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها فإذا انتقل الإنسان إلى برزخ الدار الحيوان ، مارت قبة السماء وانشقت فكانت شعلة نار سيال كالدهان ، فمن فهم حقائق الإضافات ، عرف ما ذكرنا له من الإشارات ، فيعلم قطعا أن قبة لا تقوم من غير عمد ، كما لا يكون والد من غير أن يكون له ولد ، فالعمد هو المعنى الماسك ، فإن لم ترد أن يكون الإنسان فاجعله قدرة المالك ، فتبين أنه لا بد من ماسك يمسكها ، وهي مملكة فلا بد لها من مالك يملكها ، ومن مسكت من أجله فهو ماسكها ، ومن وجدت له بسببه فهو مالكها ، ولما أبصرت حقائق
--> ( 1 ) إشارة إلى الحديث القدسي : « يا بن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي ، فلا تهتك ما خلقت من أجلي لما خلقت من أجلك » إشارة قوله تعالى : « يا بن آدم » المقصود به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) ثبج كل شيء وسطه وهو بفتحتين . ( 3 ) هكذا في الأصل ولعلها « والديه » يشير بهما إلى التراب والماء الذي خلق منهما آدم عليه السلام .